منوعات

حكايه ثري مع القلاده

رن الجرس. فتحت الباب ولم يكن هناك أحد فقط سلة فيها طفلة ملفوفة بمعطف جلدي كبير.
هل رأيت الرجل
قاطعها سيباستيان بحدة.
من المتحدث
أجيبي!
أمرها بصوت مرعـ,ـب.
تنفست ماورا باضطراب.
رأيت ظلا. كان يركض نحو شاحنة قديمة. وكان يعرج كأنه مصاب. وقبل أن يرحل صـ,ـرخ
ماذا صرخ
سأل أرتورو وقد تغير صوته لأول مرة.
صرخ اغفر لي يا رب!
أغلقت إيفيت الخط قبل أن تسأل ماورا شيئا آخر.
ساد الصمت في البنتهاوس.
تنحنح أرتورو بقلق.
هذا لا يثبت شيئا. قد يكون أي رجل نادم.

إيفيلينا ماتت تلك الليلة
قال سيباستيان بصوت مظلم.
وابنتي ماتت معها. إن كانت إيفيت هنا فهناك من كذب.
مر الوقت ببطء قاس.
لم يأكل أحد.
لم يتحدث أحد.
في الثالثة فجرا رن هاتف سيباستيان كطلقة.
الدكتور ريفاس.
أجاب على مكبر الصوت قبضته مشدودة.
تكلم.
تحققت ثلاث مرات
قال الطبيب بصوت مرهق.
تسعة وتسعون فاصلة تسعة بالمئة. سيباستيان إنها ابنتك.
سقط قلم أرتورو.
غطت إيفيت فمها لتكتم صرخة.
خانتها ساقاها.
أنت حية
يا إلهي أنت حية.
نظرت إليه إيفيت وهي ترتجف.

ثلاثة وعشرون عاما كانت خلالها التي تركت.
خطأ.
صمتا.
والآن هذا الرجل يبكي عند قدميها كأنها معجزة.
أبي
خرجت الكلمة من فمها غريبة جديدة.
بكى سيباستيان وغطى وجهه بيديه.
ثلاثة وعشرون عاما من الألـ,ـم انتهت أخيرا.
انسحب أرتورو شاحبا دون كلمة كمن رأى ما خرج عن سيطرته.
لكن السلام لم يدم.

في الصباح وصلت رسالة من رقم مجهول
الأسرار يجب أن تبقى مدفونة. استمتعوا ما استطعتم.
قرأها سيباستيان وتغير وجهه.
إنهم يراقبوننا
قال وهو يسلم الهاتف لمحقق خاص استدعاه المحقق كارديناس رجل بندبة على خده وعينين لا تثقان بأحد.
تحولت الساعات التالية إلى سباق ملفات تقارير قديمة أسماء.
وخيط واحد ممرضة اتصلت تلك الليلة.
في دار رعاية أكدت امرأة مسنة ما لا يصدق
رجل مبلل حتى العظم يداه محروقتان يسأل عن خيط جراحي وحليب أطفال.
ذكرت اسما لن تنساه إلياس الأعرج مشرد يعمل أحيانا قرب صـ,ـومعة مهجورة.

وأثناء خروجهم حطمت صخرة نافذة السيارة.
ورقة أخرى توقفوا عن الحفر.
في ذلك المساء توجهوا إلى الصومعة.
وهناك كان الماضي بانتظارهم مسلحا.
شاحنات بلا لوحات.
رجال مسلحون.
رصاص.
معدن يصطك.
ركضت إيفيت في ممرات مظلمة الماء يصل كاحليها تضغط القلادة إلى صدرها.
كان سيباستيان يدفعها إلى الأمام.
لن أتركك مرة أخرى!
صرخ وسط الضجيج.
في برج الصومعة وجدوا إلياس
عجوزا بلحية بيضاء ساقه تالفة وعيناه غارقتان بالذنب.
عندما رآها أسقط بندقيته.
لديك عيناها
بكى.
أنجبتك في كوخ. كانت تمـ,ـوت لكنها قاومت.

جعلتني أعدها أن أخفيك. قالت إنهم إن علموا أنك حية سيعودون.
من
سأل سيباستيان.
ارتجف إلياس.
رجال ببدلات سوداء بلا شارات ضحكوا. لم يكن حـ,ـادثا. دفعت.
لم يمهلهم القدر.
طوقهم الرجال.
مطاردة.
إطارات تصـ,ـرخ.
رصـ,ـاص
يخترق المعدن.
قفزوا فوق جسر مكسور.
سقطت إحدى الشاحنات في الهاوية.
عندما توقفوا أخيرا والدخان يتصاعد من مقدمة الشاحنة ظل سيباستيان يحدق في إيفيت كما لو أنه يحاول أن يحفظ ملامحها في قلبه قبل أن تخطفها منه الأيام مرة أخرى.

كان وجهها مبللا وشعرها ملتصقا بجبينها ويدها لا تزال تضغط القلادة إلى صدرها كأنها آخر ما يربطها بالحياة.
قال بصوت مبحوح من شدة الانفعال
هذا لن ينتهي اليوم لكنك لست وحدك بعد الآن.
لم تجب. لم تكن تمتلك الكلمات. اكتفت بنظرة طويلة تحمل خـ,ـوفا قديما لم ينطفئ بعد وحذرا من رجل تغير أمامها بسرعة لا تصدق منذ ساعات كان طوفانا يهددها والآن صار جدارا يحاول أن يحميها.
في مزرعة مهجورة على أطراف الطريق اتخذوا من حـ,ـظيرة قديمة مأوى مؤقتا. كانت الرائحة خليطا من رطوبة الخشب والقش العتيق والبرد يزحف من الشقوق.

جلس إلياس في زاوية بعيدة وكأنه يخجل من وجوده يضم ساقه المعطوبة بيدين مرتجفتين. أما كارديناس فظل واقفا عند النافذة المكسورة يراقب الظلام بعينين لا تنامان.
وكان سيباستيان لا يكاد يرفع نظره عن إيفيت. كلما تحركت خطوة تبعه بعينيه ليس كمن يراقب أسيرة بل كمن يخشى أن يغمض عينيه لحظة فيستيقظ على الحقيقة القديمة أنها اختفت من جديد.
وبينما كانوا يتفقدون ما بقي معهم فتح كارديناس معطف إلياس ليرى ما في جيوبه. سقط
شيء صغير على الأرض ارتطم بخشبة الحظيرة وأصدر
طقطقة معدنية خفيفة. انحنى كارديناس التقطه دقق فيه ثم
رفعه أمام الضوء الخـ,ـافت.

جهاز تتبع.
تجمدت الأنفاس.
قال كارديناس ببطء هذا
ليس جديدا هذا من النوع الذي يزرع طويلا ويترك لينتظر.
نظر إلياس إلى الأرض كأنه ينتظر الصفعة.
تمتم بصوت غارق بالعار أقسم لم أكن أعلم أنا أنا فقط ارتديت المعطف
تقدم سيباستيان خطوة عيناه تشتعلان يعني أنهم كانوا قريبين طوال الوقت
أجاب كارديناس وهو يضغط على الجهاز بين أصابعه قريبين بما يكفي ليعرفوا كل تحرك وينتظروا اللحظة المناسبة. والآن هم قادمون.
لم يمض وقت طويل حتى سمعوا صوتا بعيدا ثم أقرب ثم أقرب. هدير محركات ثقيلة. أضواء تشق العتمة من بين الأشجار.

أطفأ كارديناس أي ضوء داخل الحظيرة وأشار لهم بالانخـ,ـفاض.
ضمت إيفيت القلادة إلى صدرها حتى كادت تخنق نفسها وعيناها تتسعان مع كل ثانية.
همست ماذا يريدون
لم يجبها أحد. الإجابة كانت في الصمت ذاته.
ثم فجأة وقع ما لم يتوقعه أحد.
نهض سيباستيان وكأن قرارا قاطعا سقط عليه دفعة واحدة. تقدم نحو الباب فتحه وخرج إلى الظلام ويداه مرفوعتان.
صرخ بكل ما لديه من يقين
أرتورو سالسيدو! أعلم أنك أنت!
ساد سكون مفاجئ.
توقفت محركات كأنها تترقب اعترافا.
وبين الأضواء المبهرة ظهر أرتورو.
بدلته لا تزال أنيقة حتى في الوحل.

شعره مصفف. ملامحه هادئة حد الرعـ,ـب. في يده مسدس بكاتم يتأرجح بثقة باردة.
ابتسم ابتسامة قصيرة وقال
أعمال يا سيباستيان أعمال فقط.
ثم خطا خطوة للأمام وعيناه تتفحصان المكان كمن يشتري شيئا.
زوجتك الميتة تركت لي إمبراطورية بلا وريث لسنوات كان كل شيء يسير كما

ينبغي. ثم فجأة تظهر هذه وأشار بإيماءة صغيرة نحو الباب حيث كانت إيفيت تختبئ لتفسد الحسابات.
خرجت إيفيت خطوة دون وعي وصرخت أنا لست شيئا!
لكن كارديناس أمسكها من كتفها وأعادها خلفه بسرعة.
تنفس سيباستيان ببطء ثم قال
هي لا تعلم شيئا. إن كنت تريد إنهاء الأمر خذني أنا. اتركها.
ضحك أرتورو ضحكة قصيرة كمن يسمع نكتة معتادة
كم أنت درامي كأن العالم فيلم من أفلامك القديمة.
رفع السلاح قليلا واستقر صوته في الهواء مثل نصل بارد.
وفي اللحظة التي بدا فيها أن الرصاصة ستكمل ما بدأه الماضي شق صوت آخر السماء.

طنين ضخم.
ضوء أبيض قوي يهبط على المكان كأنه نهار مفاجئ.
مروحية سوداء ظهرت على انخفاض حاد دفعت الهواء بقوة حتى تمايلت الأشجار وتطاير الغبار والقش حول الحظيرة.
ثم تتابعت الأصوات خطوات كثيرة صياح أوامر أضواء كشافات رجال ينزلون ويتوزعون بسرعة منسقة.
عملاء اتحاديون.
وتقدم من بينهم رجل يعرج قليلا ذراعه مضمد ملابسه ملطخة بالطين والدم لكن عينيه ثابتتان كالسهم.
كان كارديناس نفسه ولكن ليس ذلك الذي يقف خلف إيفيت داخل الحظيرة.

توقفت إيفيت مذهولة ونظرت إلى سيباستيان كيف
وفي ثانية واحدة فهم الجميع
كارديناس الحقيقي كان قد خطط لكل شيء وأن الذي كان معهم لم يكن سوى طعم أو رجل من فريقه أو حيلة لجر أرتورو إلى المكان الذي يمكن إسقاطه فيه.
صرخ كارديناس القادم من المروحية بصوت جاف
قلت إنني لن أتركهم.
حاول أرتورو أن يتراجع.
أن يغير اتجاهه. أن يركض.
لكن سيباستيان اندفع نحوه كإعصار من الألم.
أمسكه.
أسقطه بلكمة واحدة ليست انتقاما بل كأنها وزن ثلاثة وعشرين عاما انهار أخيرا على وجه الحقيقة.

سقط أرتورو في الوحل وحاول أن يرفع سلاحه لكن الأيدي كانت أسرع. قيود. أوامر. صـ,ـراخ.
وانتهت اللعبة.
بعد أيام بدا كل شيء مختلفا لكن الجرح نفسه كان لا يزال مفتوحا بطريقة أخرى.
في قاعة مجلس الإدارة جلس رجال ببدلات فاخرة وجوههم متصلبة عيونهم مليئة بالخـ,ـوف. لم يعودوا يتحدثون بثقة. كانوا ينظرون إلى الباب كما لو أنهم ينتظرون حكما.
دخل أرتورو مقيدا. هذه المرة لم تكن بدلته أنيقة. كانت مهزومة.
وخلفه دخل سيباستيان وإيفيت إلى جانبه.
لم تكن ترتدي زي العمل.

كانت ترتدي بدلة بيضاء بسيطة شعرها مرتب نظرتها ثابتة والقلادة تلمع على صدرها لا كزينة بل كإثبات كوثيقة كمفتاح أبواب أغلقت عليها عمرا كاملا.
حاول أحد أعضاء المجلس أن يتمتم بكلمة محتالة لكنه ابتلعها حين رأى الملفات والأدلة تعرض على الشاشة.
وحاول آخر أن يبتسم ابتسامة مجاملة لكنه لم ينجح.
وبعضهم تحت ضغط الحقيقة والخـ,ـوف من السقوط بدأ يتحدث.
اعترافات. أسماء. توقيعات. أوامر قديمة.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى