منوعات

حماتي اتهمتني بالسـ,ـرقه

مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الذي خرجت فيه من قسم الشرطة. ستة أشهر كانت كفيلة بأن تقلب حياتي رأساً على عقب، لكنها هذه المرة انقلبت لتعتدل، لا لتهبط بي إلى القاع.
انتقلت للعيش في بيت والدي؛ ذلك البيت الدافئ البسيط الذي غادرته يوماً وأنا أظن أنني سأبني مملكتي الخاصة مع رجل يحميني. استقبلني أبي بأحضان واسعة لم تلمني، ولم تسألني لماذا فضحتِ عائلتك في الأقسام؟ بل قال لي جملة واحدة غسلت كل أوجاعي
البنت اللي متصونش كرامتها وشرفها يا نور، متستاهلش تشيل اسم أبوها. إنتي رفعتي راسي.

المواجهة الأخيرة.. سـ,ـقوط الأقنعة
خلال هذه الأشهر، لم يتوقف هاتف أبي عن الرنين. كان أحمد يتصل يومياً، يبكي، يتوسل، ويرسل لسطاء من العائلة ليقنعوني بالعودة. لكن قلبي الذي ماټت فيه الثقة لا يمكن أن يحيى بكلمات أسف متأخرة.
وفي يوم، قررت أن أضع حداً لكل هذا. وافقت على مقابلته في مكتب محاميّ الخاص لإتمام إجراءات الطلاق ودياً وإرجاع منقولاتي الزوجية. دخل أحمد المكتب، ولم يكن هو ذاك الرجل الوسيم المغرور الذي يرتدي حُلل المبيعات الأنيقة؛ كان يبدو شاحباً، هزيلاً، وتحت عينيه هالات سوداء تختصر ذل الشهور الماضية.
جلس أمامي، وعيناه مكسورتان، وقال بصوت متحشرج
نور..

أنا مش طالب منك ترجعيلي دلوقتي، أنا بس عايزك تعرفي الحقيقة.. سهر طليقها طردها وڤضحها في المنطقة بعد ما عرف باللي عملته، وأمي جالها جلطة خفيفة في رجليها ومبقتش تقوى على الحركة.. البيت اتخرب يا نور، والذنب ده محاوطني في كل مكان لأني ظلمتك.
نظرت إليه برثاء، ليس رثاء الحب، بل رثاء الشفقة على إنسان هدم بيته بيده
يا أحمد، إنت مش ضحېة.. إنت شريك في اللي حصل. أمك وسهر سـ,ـرقوا فلوس وظلموني، لكن إنت سـ,ـړقت الأمان اللي كان بيننا.

لما سكتت وأنا بتفتش، ولما شكيت فيا وصيحت في وشي في القسم عشان المنظر العام، إنت طلقتني في قلبي قبل ما القاضي يحكم بيننا.
حاول أن يمسك بالدفاتر ليمضي، وكان يرتجف وهو يوقع على ورقة الطلاق الفلي، كأن القلم يزن قنطاراً. وبمجرد أن انتهى، نظرت إلى ورقتي وقلت له
حكايتنا خلصت من يوم Thursday المشؤوم يا أحمد.. يحيى هيفضل ابني وابنك، هتشوفه بالعدل والقانون، بس أنا مش هكون في حياتك تاني.
من رحم المعاناة.. تولد نور الجديدة
لم أسمح لنفسي بالانزواء أو الڠرق في كآبة لقب مطلقة الذي يجلد به المجتمع كاهل النساء.

عدت فوراً إلى شغفي القديم؛ دار النشر التي تركتها من أجل خدمة الحاجة زينب.
استقبلني مديري السابق بترحاب شديد، ولم تمر سوى أسابيع قليلة حتى عُينت مديرة لقسم التدقيق اللغوي والمحتوى. عدت للكتب، للروايات، للرائحة التي تشبهني. الراتب الذي أتقاضاه الآن، رغم بساطته مقارنة بدخل أحمد السابق، إلا أنه يمنحني شعوراً بالاستقلال والحرية لم أذقه طوال ثلاث سنوات من التبعية والإهانة.
كل صباح، أستيقظ، أُقبل طفلي يحيى الذي يكبُر أمامي يوماً بعد يوم، وأذهب إلى عملي وأنا أرتدي حذاءً ذا كعب عالٍ، وأضع عطراً يشبه نسيم الصباح، وأمشي في شوارع القاهرة بثقة امرأة لم تكسرها العاصفة، بل صقلتها.

رسالة إلى كل امرأة
في أحد الأيام، وأنا أراجع مخطوطة لرواية جديدة في مكتبه، توقفت عند سطر كتبه المؤلف، وشعرت أنه كُتب خصيصاً لي
الخطوط الحمراء لا يضعها الآخرون لنا، بل نحن من نرسمها بدمائنا وكرامتنا، ومن يسمح للآخرين بتخطيها مرة، فلا يلومنّ إلا نفسه إذا صار مستباحاً. ابتسمت، وأغلقت المخطوطة، ونظرت عبر النافذة إلى شمس القاهرة الدافئة. أنا نور.. مررت بنفق مظلم، لولا شجاعتي لظللت مسجونة فيه پتهمة لم أرتكبها. والآن، أنا حرة، بريئة، وأقوى من أي وقت مضى.
تمت الحكاية بالكامل

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى