منوعات

البنت الجعانه

البنت الجعانة ادّت آخر حتة عيش معاها لرجل مليونير كان بيعيّط ولما سألها عن اسمها، كل حاجة اتغيّرت!
يا أستاذ إنت بتعيّط عشان جعان زيّي؟
ده كان السؤال اللي سألته مريم للبني آدم الغريب وهي بتمدله آخر حتة عيش ناشف كانت معاها
أكلها الوحيد طول اليوم.
والأغرب إنها كانت بتقدمه لرجل البلطو بتاعه تمنه يمكن أكتر من إيجار سنة كاملة.
برد الشتا في القاهرة كان قارس الصبح ده البرد اللي يدخل من الهدوم للعظم على طول.

مريم كان عندها سبع سنين، جسمها صغير، شعرها منكوش، وإيديها محمرة من السقعة، ولابسة جاكيت قديم أوسع منها بكذا مقاس.
من تلات شهور، أمها دخلت في غيبوبة غامضة وبعدها اتحطت مريم في دار رعاية مليانة أطفال لدرجة إن محدش كان بياخد باله إذا كانت بتاكل، بتنام، بتعيّط أو حتى اختفت.
وفي يوم
اختفت فعلًا.
بقت عايشة بين الحواري المنسية، ورا الزبالة، تحت السلالم، وفي الأماكن اللي الكبار مبيبصوش فيها كتير.
كل يوم الصبح كانت تدور على أي حاجة تتباع علب، إزازات، أو حتى بواقي أكل.
وكان دايمًا عندها نفس الجملة
بس أعدّي النهارده.

الوعد الصغير اللي كانت بتقولُه لنفسها عشان تكمّل.
في نفس الوقت
وعلى الناحية التانية من المدينة، كان آسر الجارحي واقف قدام مراية حمام رخامي في بنتهاوس فاخر مطل على النيل وباصص لنفسه من غير ما يحس بأي حاجة.
عنده 42 سنة، وعنده كل حاجة الفلوس تقدر تشتريها.

شـ . ـركة تكنولوجيا بمليارات.
برج باسمه.
عربيات، سفر، بدلات مفصلة مخصوص
وصورته على أغلفة مجلات رجال الأعمال.
بس النهارده كل ده مكنش له أي معنى.
لأن يوم 15 يناير كان ذكرى اختفاء ابنه الوحيد ياسين.
كان عنده ست سنين لما اختفى وهم مسافرين برا مصر.
دوروا عليه في كل مكان بلاغات، محققين، مكافآت، صور في كل حتة
وسنة كاملة عدت من غير معجزة واحدة.
موبايله رن.
آسر بيه، اجتماع صفقة مورجان بعد ساعة، وكل أعضاء المجلس وصلوا.
كان صوت سكرتيرته دينا.
الصفقة دي هتضاعف قيمة الشـ . ـركة.

آسر رد بصوت مكسور
جاي.
وقفل قبل ما تسمع انهياره.
العربية بتاعته تعطلت فجأة وهو داخل منطقة صناعية قديمة، واضطر ينزل يمشي وسط الشوارع الضيقة.
وبين حيطان مليانة جرافيتي ومحلات مقفولة
افتكر ضحكة ابنه.
الضحكة اللي غرزت فيه زي السـ ـكينة.
وقف فجأة
وسند على الحيطة
وبدأ يعيّط.
مش دموع عادية.
انهيار كامل.
عيّط على أعياد الميلاد اللي فاتته.
على الأوضة اللي لسه فيها لعب ياسين.
على الحذاء الصغير اللي مش قادر حتى يفتحه من الدولاب.
ومن ورا صندوق زبالة قريب
كانت مريم بتراقبه.

الأغنيا عمرهم ما بييجوا الأماكن دي إلا لو وراهم مصلحة.
لكن الراجل ده كان مختلف.
كان موجوع.
ومريم عرفت الوجـ . ـع ده فورًا.
هي نفسها كانت بتعيّط كده بعد ما أمها نامت في المستشفى ومصحيتش.
في جيبها كان فيه نص رغيف ناشف لاقيته ورا فرن الصبح.
بطنها كانت بتصـ . ـرخ من الجوع.
لكنها تجاهلتها.
وقربت منه بهدوء.
آسر مخدش باله غير لما وقفت قدامه.
بص لقاها بتمدله العيش بإيد صغـ . ـيـرة متجمدة.
وقالت بصوت واطي
يا أستاذ إنت بتعيّط عشان جعان؟

آسر فضل باصصلها كام ثانية ومش قادر يرد.
البنت دي واضح إنها معندهاش حاجة
ومع ذلك بتديه آخر حاجة تملكها.
قال بصوت متقطع
لا مش جعان.
وسكت شوية قبل ما يكمل
بس شكرًا إنتِ طيبة جدًا.
مريم ما نزلتش إيديها.
خده برضه ساعات الأكل بيريّح الزعل.
الكلمة خبطت فيه بطريقة غريبة.
حاجة جواه اتكـ . ـسرت.
ولأول مرة من سنة حس بحاجة غير الحـ . ـزن.
قعد على ركبته قدامها وقال
اسمك إيه؟
مريم.
مريم إيه؟
مريم السيوفي.

آسر سكت فجأة
حاسس إن الاسم لمس حاجة بعيدة جواه.
بس قبل ما يفكر أكتر، بص للساعة واتـ . ـوتر.
أنا تايه شوية وعندي اجتماع مهم جدًا في وسط البلد.
عين مريم لمعت
أنا أعرف طريق مختصر.
آسر تردد.
إزاي يثق في طفلة شوارع؟
لكن كان في عينيها ذكاء غريب
وصدق نادر.
قال
لو وصلّتيني في نص ساعة هعزمك على أحسن أكلة في القاهرة.
مريم حاولت تداري فرحتها وقالت بثقة
تعالى ورايا ومشيت مريم قدامه وسط الحواري الضيقة كأنها خريطة ماشية على رجلين.

كانت بتلف بين شوارع جانبية محدش يعرفها، تعدّي من ممرات ضيقة، وتنط فوق حفر المية كأنها عايشة هنا من عمرها كله وده كان حقيقي.
آسر كان ماشي وراها وهو مستغرب.
طفلة عندها سبع سنين بس ومع ذلك ماشية بثقة ناس كبيرة.
كل شوية كانت تبص وراها تتأكد إنه لسه وراها.
فسألها وهو بيحاول يلقط نفسه من المشي السريع
إزاي عارفة الطرق دي كلها؟
مريم ردت من غير ما تبصله
عشان الهروب.
الكلمة وقفت قلبه ثانية.
قال باستغراب
هروب من إيه؟

هزت كتفها ببساطة
من الناس الوحشة ومن اللي بيمسكوا الأطفال اللي في الشارع.
آسر حس بغصة في حلقه.
دي مش طفلة ضايعة
دي طفلة بتنجو كل يوم.
بعد شوية سألها بهدوء
بتروحي تشوفي والدتك؟
وشها اختلف فورًا.
ولأول مرة ابتسامتها الصغـ . ـيـرة اختفت.
آه.
فين المستشفى؟
القصر العيني.
بصت للأرض وهي بتتكلم.
في ممـ . ـرضة اسمها أستاذة نادية ساعات بتدخلني أشوفها من غير ما حد يعرف.
آسر سكت، فكمّلت مريم بصوت أهدى
بكلمها حتى وهي نايمة وبحكيلها عن يومي.
وبتسمعك؟

مريم ابتسمت بحـ . ـزن طفولي موجـ . ـع
أكيد الأمهات بيسمعوا حتى وهما نايمين.
الجملة دخلت جواه زي السـ ـكينة.
افتكر آخر مرة حـ ـ ـضن فيها ابنه ياسين.
افتكر إنه كان مستعجل وقتها وإنه وعده يلعب معاه بعد الشغل.
الوعد اللي ملحقش ينفذه أبدًا.
وفجأة مريم وقفت وأشارت لقدام بحماس
بص!
رفع آسر عينه
وبرج الجارحي جروب كان ظاهر قدامهم وسط الأبراج الزجاجية.
وصلوا.
وفي وقت قياسي كمان.
آسر بص لمريم بانبهار حقيقي.
إنتِ أنقذتيني النهارده.
مريم ضحكت بخجل
أنا بس بعرف أمشي كويس.

لكن آسر كان شايف أكتر من كده.
شايف طفلة ذكية قوية وقلبها أنضف من ناس أغنيا كتير يعرفهم.
الهواء برد أكتر، ومريم بدأت ترتعش.
فقال بسرعة
تعالي معايا جوا تستني المكان دافي.
ملامحها اتشدت فورًا بخوف.
الأماكن دي مبتحبش اللي زيي.
آسر مد إيده ليها بثبات
المكان ده بتاعي.
بصت لإيده كام ثانية
وبعدين حطت إيدها الصغـ . ـيـرة فيها.
إيدها كانت متلجة.
دخلوا الشـ . ـركة، وأول ما الأمن شاف آسر، كلهم وقفوا فورًا.
صباح الخير يا فندم.
لكن عيونهم راحت مباشـ . ـرة على مريم.

طفلة هدومها قديمة وجزمتها مقطوعة ماشية جـ . ـنب صاحب أكبر شـ . ـركة في البلد.
الاستغراب كان واضح.
آسر لمح النظرات دي كلها، فقال بحدة خفيفة
دي ضيفتي.
وفورًا الكل سكت.
عند الريسبشن، السكرتيرة دينا قربت بسرعة وهي متـ . ـوترة
البشمهندس، الاجتماع بدأ وكل المستثمرين مستنيين حضرتك.
آسر أشار لمريم
دي مريم هتستنى هنا.
ثم بص لدينا بنظرة حادة
تتأكدوا إنها تاكل وتشـ . ـرب وماحدش يضايقها.
أكيد يا فندم.
مريم بصت حواليها بانبهار.

الرخام اللامع
النجف الكبير
الناس اللي لابسة شيك
كل حاجة كأنها عالم تاني.
قبل ما يدخل المصعد، آسر بص لمريم وقال
أوعدك أول ما الاجتماع يخلص هناكل سوا.
مريم سألته بصوت صغير مليان خوف
وإنت مبتخلفش وعدك؟
السؤال وجـ . ـعه أكتر مما توقع.
قرب منها وقال بصدق
لا المرة دي لأ.
ولأول مرة من سنة كاملة
ابتسم آسر الجارحي ابتسامة حقيقية.
لكن في نفس اللحظة
وفي الدور الأربعين تحديدًا
كان رجل واقف خلف زجاج مكتبه الفخم، بيتابع كاميرات الشـ . ـركة ببرود.

ولما شاف مريم
اللون اختفى من وشه فجأة.
وقام واقف وهو يهمس بصدمة
مستحيل البنت دي لسه عايشة؟!الرجل كان اسمه كمال عزام
الشـ . ـريك القديم لآسر الجارحي.
والرجل الوحيد اللي يعرف

الحقيقة كاملة عن اختفاء ياسين.
إيده اترعشت وهو بيكبّر صورة مريم على شاشة المراقبة.
نفس العيون
نفس الملامح.
مش ملامح أمها بس
لا.
ملامح ياسين.
اتراجع خطوة للخلف وهو قلبه بيدق بعنـ ـف.
إزاي؟!
في اللحظة دي، الباب خبط ودخلت دينا بسرعة
أستاذ كمال، الاجتماع هيبدأ.
لكن كمال كان سرحان تمامًا.
عينه مثبتة على الشاشة.
على البنت الصغـ . ـيـرة اللي المفروض ما تكونش موجودة أصلًا.
قال فجأة
البنت اللي تحت دي مين دخلها؟
دينا استغربت
مع البشمهندس آسر.

كمال حس الدم بيتسحب من وشه.
خلي الأمن يطلعوها فورًا.
دينا اتفاجئت
بس آسر بيه بنفسه
نفذي اللي قولته!
صوته العالي خلاها تسكت فورًا.
في نفس الوقت
كانت مريم قاعدة على كرسي ضخم في الريسبشن، ماسكة كوب شوكولاتة سخنة بإيديها الصغـ . ـيـرة، وباصّة حواليها بتـ . ـوتر.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى