
… وهما واقفين في الطرقة، سمعوا ضحـ . ـكة مجلجلة من جوه الأوضة.. ضحـ . ـكة فيها طاقة تهد جبال.
بقولك إيه يا لولو، ده أنا في مارينا يا بنتي! كانت فاتحة السبيكر وبتتكلم مع صاحبتها بمنتهى الفخر. الهانم مراته امبارح خلتلي الشبابيك زي المرايا، والنهاردة من الفجر بتخبز وتعمل محاشي. وأنا؟ أمسك العصاية وأعمل الشويتين بتوعي.. وأحمد يلف يمين وشمال ويجيب لي أحسن لحمة وأغلى دوا. وليه أتعب نفسي وأنا عندي خدّامة ببلاش؟
منى حست إن مية نـ . ـار اتمسحت في وشها. وجـ . ـع، إهانـ . ـة، وكسرة نفس.
بصت لأحمد، لقيت وشه أبيض زي الورقة، وعروق رقبته هتنطق من الغضـ . ـب.
وهتفضلي تمثلي الفيلم ده كتير؟ سألتها صاحبتها.
لحد ما أزهق! ردت هدى بضحـ . ـكة عالية. لازم تعرف مقامها، وإن أنا ست البيت الحقيقية. دي فاكرة إنها فازت بأحمد كده بالساهل؟ لازم تدفع الضريبة. ده أنا حتى بوفر تمن الأدوية، وهي كل ليلة تعملي مساج لرجلي وتعملي يانسون وتدلعني.. ده أنا في حلم يا بنتي!
أحمد مقدرش يمسك نفسه أكتر.. فتح الباب بقوة خلت الحاجة هدى تترعـ . ـب. كانت قاعدة وحاطة رجل على رجل وبتهز بإيدها في الهوا..
التليفون وقع من إيدها على السجادة اللي منى لسه منظفاها.
يا ماما.. صوت أحمد كان واطي بس فيه وجـ . ـع يهد الحديد. فدي بقى تمثيلية المـ . ـوت؟ طلعتي في مارينا وبتتدلعي، وإحنا خدّامين عندك وطالع عينا؟
هدى حاولت تلم الموضوع، مسكت قلبها بسرعة وعينها راحت يمين وشمال وبتدور على العصاية.
يا ابني.. أنت فاهم غلط.. ده أنا فجأة حسيت إني كويسة.. معجزة من عند ربنا.. منى وشها خير عليا..
كفاية يا حاجة هدى، الستارة نزلت. منى قالتها بهدوء مرعـ . ـب، من غير دموع ولا انفعال. سمعنا كل كلمة.. عن الخدّامة وعن التمثيلية.
كنت بتمنى أكون لك بنتي، وأخدمك بقلب راضي، بس إني أكون وسيلة عشان تحسي بالسيطرة؟ ده اللي مش هسمح بيه أبداً.
أحمد لم الموبيل من الأرض وقفل الخط.
منى، لمي هدومنا.. دلوقتي حالاً. وأنتي يا أمي، بما إن صحتك ما شاء الله زي الفل، هتقدري تعيشي لوحدك وتخدمي نفسك كويس جداً.
في أقل من ساعة، كانت الشنط في شنطة العربية. الحاجة هدى كانت بتجري وراهم، شوية تعيط، وشوية تزعق عن حق الأم وعقوق الوالدين، بس أحمد كان ساكت، بيقفل الشنط ووشه للأرض.
وهما راجعين شقتهـ .
ـم، منى خدت نفس عميق وحست إن جبل انزاح من فوق صدرها. أحمد مسك إيدها بحزن
حقك عليا يا منى.. أنا كنت أعمى.. كنت فاكر إني ببر أهلي وأتاري كنت بظلـ . ـمك
مفيش داعي للاعتذار يا حبيبي.. ردت بابتسامة صافية. أنت قلبك أبيض، وده اللي يفرق معايا. ومن هنا ورايح، لو مامتك تعبت بجد، هنجيب لها ممـ . ـرضة محترفة تخدمها.. وعلى حسابها كمان.
الأيام عدت، وشقة الحاجة هدى رجعت سجـ . ـن هادي وبارد. حاولت في الأول تمثل على الجيران أو على الدليفري عشان حد يشيل لها الزبالة، بس الدنيا بره مابتطبطبش زي منى.
في ليلة شتا باردة، كانت قاعدة لوحدها، الشقة نضيفة زيادة عن اللزوم ومرعـ . ـبة. سمعت دقات الساعة، وفهمت إنها خسرت الرهان. رغبتها في التملك وال عنجهية خلتها في عزلة تامة. مفيش حد بيفتح الباب وهو راجع من الشغل ومعاه ريحة أكل حلوة، ولا حد بيسألها بحنية حاسة بإيه النهاردة يا ماما؟. عرفت إن منى كانت الهدية اللي ربنا بعتها لها، وهي داست عليها ب كبرياءها الكداب.
تاني يوم، الحاجة هدى مكلمتش حد تشتكي من وجـ . ـع وهمي.. طلبت شركة نظافة.
ولما جت البنت الشغالة وهي شايلة الجرادل وتعبانة، هدى كانت لسه هتبدأ تدي أوامرها الصارمة، بس الكلام وقف في زورها.
بصت للبنت شوية، واتنهدت وقالت بصوت واطي
بقولك إيه يا بنتي.. سيبي الجرادل دي دلوقتي. تعالي المطبخ اغسلي إيديكي، أنا عملت صينية كيكة بالتفاح، تعالي نشرب شاي سخن سوا.. أنتي شـ . ـكل سقعانة وتعبانة.
عرفت الحاجة هدى إن الدفا مبيجيش من الشبابيك المتلمعة، الدفا بيجي من الحب اللي بنقدمه للناس من غير مقابل.
أما أحمد ومنى، فعاشوا في هدوء واستقرار في بيتهـ . ـم، مع احترام كامل لخصوصيتهـ . ـم.
لكن كل يوم جمعة، الصبح بدري، كان بيتحط قدام باب الحاجة هدى سبت فيه خضار طازة، وأدويتها، وطبق فطير مشلتت لسه طالع من الفرن.. من غير كلام، ومن غير عتاب.
والحاجة هدى، وهي بتدخل السبت بيتها، كانت بتضمه لصدرها ودموعها حقيقية لأول مرة وهي بتهسم في الطرقة شـ . ـكراً يا بنتي.. حقك عليا.
تمت بقلم مني السيد
