
دخلـت البـيت كا ضُـرّة… وافـتكرت إنهـا كـده كسـبت كـل حـاجة بـس الـحقيقة؟ لـسه مـا شـافتش أول خسـ . ـارة ليهـا…..
«إيه يا رامي؟ جالك ذهول ولا إيه؟ ما تعرفني بـ “عيلتك القديمة”. ساكت ليه؟ طيب، خليني أنا اللي أرتب لك الأمور. أنا ورامي بنحب بعض، وأنا حامل.. والمليم اللي معاه “البيبي” أولى بيه من الإيجارات ووجـ . ـع الدماغ. والشقة دي قانوناً بتاعته، يعني يا ريت تخلوا المكان.. وحضرتك يا مدام.. اسمك إيه؟ طنط تهاني؟ إنتي عندك شقتك القديمة، اتفضلي بالسلامة، العش ده بقى بتاعنا إحنا!» بقلم منــال عــلي
الكلمـ . ـات دي نزلت زي السـ . ـكين في هدوء الصالة اللي طول عمرها دافية. سبعتاشر سنة جواز، تربية بنتين، عشرة وعمر وأفراح وأحزان.. كل ده اتهد في دقيقة واحدة.
رامي كان واقف عند الباب، مذهول وبيبربش بعينه بقلة حيلة، في حين إن “لولا” سكرتيرته كانت بتجر شنطة هدومها بكل بجاحة وتحطها فوق “الباركية”. بقلم منــال
عــلي
لولا كانت بنت لئيمة، عينها فارغة وبتحب تقتنص الفرص. تلات شهور من المقابلات في السر كانوا كفاية جداً بالنسبة لها عشان تيجي وتطالب بـ “الجائزة” بتاعتها.
— «رامي! إيه اللي البنت دي بتقوله؟» — صوت تهاني اتهز، بس عينيها مانزلتش من عليه — «بناتك هنا يا رامي.. فيرا وفريدة سامعين كل كلمة! إنت فعلاً عايز البنت دي هي اللي تقرر مصيرنا؟» بقلم منــال عــلي
— «رامي بس مكسوف ومتردد شوية» — لولا قاطعتها وهي بتتمشى في المطبخ كأنها صاحبته — «يا بنات، اتعودوا بقى، بكـ . ـره يجيلكم أخ..
رامي نفسه في الولد، مش عايز نسخة تالتة منكم. والشقة ضيقة، فيلا لموا ليلتكم.. أوضكم دي هي اللي هتبقى أوضة البيبي.»
المطبخ وغرفة الطعام
البنات — فيرا (15 سنة) وفريدة (16 سنة) — ما عيطوش. بمنتهى الثبات سحبوا أمهم من إيدها ودخلوها أوضة النوم.
— «ماما، اهدي خالص.. اشربي مية، إحنا معاكي ومش هنسيبك» — فيرا قالتها بصوت واطي وحازم.
في الطرقة، بدأت الخنـ .ـاقة. رامي كان بيحاول يخرج لولا بره وهو بيوشوشها: بقلم منــال عــلي
— «إنتي بتعملي إيه؟ أنا قولتلك مش هسيب بيتي!
موضوع اللي في بطنك ده كنا نحله بطريقة تانية!»
— «وأنا عايزة كدة! صاحب السكن طردني، وأنا تعبانة ومش قادرة أقف على رجلي!» — صـ . ـرخت لولا بتمثيل مفضوح.
الليلة دي كانت قطعة من الجحيم. تهاني قفلت على نفسها، ولولا نامت على كنبة الصالة، أما رامي.. ففضل قاعد في المطبخ بيبص للفراغ. فهم إن عالمه المريح اتحـ . ـرق، والرماد غطى ضميره اللي ضاع.بقلم منــال عــلي
الصبح، رامي نزل شغله ومعاه لولا، وهو كالعادة بيأمل إن الأمور “تتحل لوحدها” لحد الليل. لولا كانت شمتانة، ومتوقعة إنها لما ترجع هتلاقي البيت “نضيف” من الناس اللي مش حباهم.
لكن المـ . ـساء كان محضر لهم مفاجأة. تهاني ما كانتش موجودة، بس البنات ما مشيوش. كانوا قاعدين في الصالة بكل برود وهدوء.
— «ماما فين؟» — رامي سأل وهو بينهج.
— «ماما راحت عند تيتة، ومن هناك هتروح شقتها القديمة. بس إحنا قاعدين هنا، ده بيتنا، ومدرستنا هنا، وصحابنا هنا، والمكان مش ضيق علينا خالص. بالمناسبة يا بابا.. إحنا جعانين، خلي “الست الجديدة” بتاعتك تقوم تحضر لنا عشا، ويا ريت يكون أكل نضيف عشان إحنا اتعودنا على مستوى معين.»
لولا وشها اتلوى:
بقلم منــال عــلي
— «أنا مش هطبخ لحد!»
— «أومال إنتي جاية هنا ليه؟» — فريدة سألت ببراءة مستفزة — «ماما كانت ست البيت، إنتي بقى تبقي إيه؟ الشغالة الجديدة؟ بابا.. محتاجين فلوس عشان دروس الإنجليزي وعايزين كوتشيات جديدة، وعايزين نجيب هدية لماما.. وأهم حاجة ادفع اشتراك النت عشان نعرف نذاكر.»
المواجهة
الأسبوع اللي وراه كان عبارة عن غسيل ومكواة لأعصاب لولا. البنات ما سابوهاش تتنفس:بقلم منــال عــلي
— «يا لولا، العصير اتدلق مني، امسحيه.. مش إنتي “ست البيت”؟» بقلم منــال عــلي
— «يا لولا، الحمام مش نظيف ليه؟
بابا كان فاكر إنك هتهتمي بيه أكتر من كدة.»
— «بابا، هي ليه طنط لولا بوزها شبرين كدة؟ إحنا بس عايزين نعيش في مكان نظيف.»
لولا ما استحملتش عشر أيام وبان إن موضوع “الحمل” كان مجرد كـ . ـذبة عشان تدخل البيت، ولقت نفسها في دور “خدامة” لمراهقين بيحتقروها بنظراتهـ . ـم.
في الآخر، شالت شنطتها ورزعت الباب وراها وهي بتصوت، لدرجة إن إزاز البيت كان هيتكسر.
بعد ما لولا مشيت بشنطة هدومها وهي بتشتم اليوم اللي دخلت فيه البيت، رامي افتكر إن “العاصفة عدت” وإن الأمور هترجع لمجاريها. دخل الصالة وهو بيحاول يبتسم لبناته وقال:
بقلم منــال عــلي — «أهي غارت في داهية.. خلاص يا بنات، المهم إننا مع بعض، قوموا بقى نلم الليلة دي ونكلم ماما تصالحوها وتيجي.» فريدة بصت له بنظرة خالية من أي مشاعر، وقامت وقفت وهي بتعدل لبسها: — «تصالحها؟ إنت فاهم غلط يا بابا. ماما مش زعلانة عشان نصالحها، ماما “استوعبت” إنك ما تستهلش يوم واحد كمان من عمرها. إحنا قاعدين هنا عشان حقنا، وعشان مدرستنا،
وعشان الشقة دي إحنا اللي لينا فيها ذكريات.. إنت بالنسبة لنا دلوقتي مجرد “صراف آلي” بيوفر لنا طلباتنا، والحيطة اللي ساندة السقف ده.»
مرت الشهور، ورامي بقى عامل زي “الضيف” في بيته. البنات كبروا، فيرا دخلت الجامعة وفريدة بقت مشغولة بحياتها. كانوا بيتعاملوا معاه بمنتهى الأدب “البارد”. ياكلوا لوحدهم، يخرجوا مع مامتهـ . ـم من وراه، ولما يرجعوا ويسألهم كنتوا فين، الرد بيبقى كلمة واحدة: «كنا مع ماما». بقلم منــال عــلي تهاني من ناحيتها، بدأت حياة جديدة تماماً. الشقة “الأوضة وصالة” اللي كانت لولا بتعايرها بيها، قلبتها
أتيليه صغير لشغل الهاند ميد اللي كانت بتحبه. وشها نور، ورجعت تهتم بنفسها، وبقت الضحـ . ـكة اللي رامي بيسمعها في التليفون وهي بتكلم بناتها بتحـ . ـرقه أكتر من نـ . ـار لولا.
في يوم، رامي حاول يروح لتهاني عند بيت مامتها. وقف تحت البيت وناداها، ولما نزلت كانت لابسة فستان شيك ومسافرة مع البنات في رحلة. — «تهاني، أنا غلطت.. البيت فاضي من غيرك، والشقة وحشة وقـ . ـاسية. ارجعي وعشان خاطر البنات.» بقلم منــال عــلي
وقفت تهاني بكل ثبات وقالت له: — «البنات كبروا يا رامي، وعارفين مصلحتهـ . ـم فين. الشقة اللي إنت كنت خايف عليها ومستخسر فيها قرش إيجار، بقت سجـ . ـنك دلوقتي. أنا زمان كنت شايلة البيت بقلبي، دلوقتي إنت معاك “الحيطان”، مبروك عليك.. بس القلب اللي كان بيخلي الحيطان دي جنة، اتقفل واللمبة بتاعته اتحـ . ـرقت ومبقتش تتصلح.»
رامي كسب “المترو والسيراميك”، بس خسر “الروح والونس”. البنات ما كانوش بيعانوا من “عقدة ذنـ . ـب” لأنهم شافوا أبوهم وهو بيبيع عشرة عمرهم عشان نزوة، فقرروا يحموا نفسهم ويحموا كرامة أمهم بطريقتهـ . ـم الخاصة.
سؤالنا ليكم: هل شايفين إن تصرف البنات وقسوتهـ . ـم على أبوهم كانت “حق مشروع” لرد اعتبار أمهم؟ ولا “الدم مش بيبقى مية” وكان لازم يسامحوه عشان يلموا شمل البيت تاني؟

